الشيخ أحمد بن علي البوني
335
شمس المعارف الكبرى
المطلقة قال تعالى إخبارا عما رسمناه وأبنّاه عن حقيقة ما أظهرناه إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى فمن انعكس عن تفرقة الظاهر إلى جمع الباطن ورقيّ بالصور الحسية كمالا ، وبالكثائف أعمالا وبالملكوتية أحوالا ، كما أنبأنا الحق سبحانه وتعالى بقوله وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى بحقيقتها ، فهو في الحقيقة نارها بل نورها قمر في البرزخية اللطيفة ، رب النور المتصل بالحركة العلوية نعماته للفناء العلويات بتحريكه آلة البقاء باختلاف الأنواع وهي من أعظم الآيات الشاهدات والمعجزات الباهرات قال تعالى وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ فمن حقيقة هذا العالم العرش الملكوتي ، نطق له سر الجمادات والنباتات والحيوان من أصل وضعه على الحقيقة المعبر عنها والتوحيد المودع فيه ، فهذه غايات الكمال في الظهور القلبي ، وأما نسبة الصحف الروحانية الذاتية ، فحقيقة كشفها أن يكون ناسوته متصلا بسرائر وحكم باهرات ، وقد نطقت العبارة ودق أنموذج الإشارة ، فإن زيد عليها لطيفة لمع وبرق خفي منه إلى الحق المحض الذي لا يعقل معناه ولا يدرك منتهاه ، فهذه عدة العروش . والعرش السابع عرش النزول ، نبّه على ذلك النبي صلى اللّه عليه وسلم في قوله « ينزل ربنا إلى سماء الدنيا آخر كل ليلة » الحديث بطوله ، وهو بيت العزة التي دورها على البيت المعمور ، ولذلك نسبة العروش ، فهذه العروش حقيقة الستر ، وإليه انتهاء عالم الستر والحقيقة المستورة ، ولذلك كان في نسبة الستر من الليل والنهار عبارة عن الستر . فمن فهم أسرار الأستار فهم سر الإجابة في الدعاء ، والأستار السبعة : ستر الملك وستر التركيب وستر الدوائر وهو الحركة المعنوية ، وستر الغيب الأول وهو الشوق ، وستر الجبروت الأوسط وهو البرزخ ، وستر النفس وهو الخط الخيالي والتصرف ، وستر القلب وهو ستر المزجة الأولى والمزجة الثانية ، وستر العقل وهو اتصال الشفعية في الوترية والحروف في الأعداد . فهذه الأستار كلها حجب بين الصانع والصنعة ، وبين الحق والحقيقة وبين اللطائف والكثائف ، وبين العلوم والمعارف فمن رفع هذه الأستار شاهد حقيقة تلك الدار واللطائف الروحانية فيدعو بما أراد ، ويشهد حقيقة الازدياد ، وإلى هذا العرش المخصوص انتهاء الأنفاس البشرية ، والقوى الملكية والتجليات النبوية والدعوات الرسالية ، منها شهود المعجزات ، وظهور الكرامات الخارقة للعادات ، ومنه يتغلغل في بحار النهايات من سواحل البدايات ، فاسبح إن كنت سابحا واسرح إن كنت سارحا ، فهذه درر الإشارات بدت في أصداف العبارات ، وحقائق العلويات نزلت في ربوع السفليات ، فاشترها بثمن يسير ، وابذل حقيقة ادخارك مهرا لعروسها قبل شرب كؤوس الحسرة من دنان ربنا ، فارجعنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل . أعاذنا اللّه وإياكم من خذلان الطرد ، إنه مجيب دعوة المضطر إذا دعاه . وأما حقيقة هذه العروش المتقدمة ، فهي ظرف الاستقرار العددي ، قال تعالى إخبارا عن ذلك لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ فمن كشف عن نظره وعمي عن البصيرة ، خوطب بالعقل المخلص للاستعمال فمضى من النقلة البرزخية ، فمن كان ذا لب حاضر وعقل في المقدمات عكس المستقبل بالمحال ، وشاهد فيه مهابة الآمال وحقائق الأفعال ، فهذه هي العروش العلوية واللّه الموفق .